ابن الجوزي
272
صفة الصفوة
قال : فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئت فأخبرته بما جرى وما أمرني به صاحبي قال : فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه . فأقمت مع خير رجل . فو اللّه ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له : يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي ، وما تأمرني ؟ قال : أي بني واللّه ما أعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمّورية فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فائته فإنه على مثل أمرنا . قال : فلما مات وغيّب لحقت بصاحب عمّورية وأخبرته خبري فقال : أقم عندي . فأقمت عند رجل على هدي أصحابه وأمرهم . قال : وكنت اكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة ، قال : ثم به أمر اللّه عزّ وجل فلما حضر قلت له : يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ، وأوصى بي فلان إلى فلان ، وأوصى بي فلان إلى فلان ، وأوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني ؟ قال : أي بني واللّه ما أعلم أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ، ولكنه قد أظلك زمان نبيّ مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرّتين « 1 » بينهما نخل به علامات لا تخفى ، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة . فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل . قال : ثم مات وغيّب ، فمكثت بعمورية ما شاء اللّه أن أمكث ، ثم مر بي نفر من كلب تجارا فقلت لهم : تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه ؟ قالوا : نعم . فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود . فكنت عنده ورأيت النخل ورجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي . فبينا أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة فو اللّه ما هو إلا أن رأيتها فعرفها بصفة صاحبي فأقمت بها ، وبعث اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل
--> ( 1 ) الحرة : الأرض ذات الحجارة السوداء .